أخبار وطنية بعد اخضاع الهيئات المستقلة لسيطرة الأغلبية الحاكمة: هل من دور مختلف لهيئة الانتخابات في المرحلة المقبلة ؟ بقلم سامي بن سلامة
نشر في 10 فيفري 2019 (11:11)
بقلم سامي بن سلامة
بعد إنجاح الهيئة العليا المستقلة للانتخابات للمرحلة الانتقالية الأولى التي توجت بتنظيم محكم لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 23 أكتوبر 2011، انطلقت المرحلة الانتقالية الثانية بطريقة مغايرة وعلى أسس غير سليمة.
إذ أنه وبعد أن التزمت الهيئة الانتخابية بالمهمة المحددة لها وفق مقتضيات المرسوم عدد 35 لسنة 2011 المؤرخ في 10 ماي 2011 المتعلق بانتخاب المجلس الوطني التأسيسي وأنجزتها في أقصر الآجال وبأقل التكاليف لوحظ عدم التزام المجلس الوطني التأسيسي المنبثق عن تلك الانتخابات لا بالمهمة المحددة له ولا بآجال تنفيذها.
كانت الهيئة قد أحدثت بصفة "وقتية" للإعداد وللإشراف على أول انتخابات ديمقراطية في تاريخ تونس مثلما تم انتخاب المجلس الوطني التأسيسي بصفة "وقتية" لوضع دستور جديد للبلاد في ظرف عام واحد من تاريخ انتخابه.
ولكن وعلى خلاف الهيئة فقد تجاوز المجلس المنتخب المدة المحددة له بسنة واحدة قانونا والتي كان نص عليها الفصل السادس من الأمر عدد 1086 لسنة 2011 المؤرخ في 03 أوت 2011 والمتعلق بدعوة الناخبين لانتخابه. كما أنه تجاوز دوره وصلاحياته وانتقل من كتابة دستور جديد لتونس إلى افتكاك دور تشريعي انقلب به إلى تغيير قوانين الجمهورية والتلاعب بها واستغلالها لخدمة الأغلبية الحاكمة التي أقرت بذلك سوابق سيئة في ممارستها السياسية انعكست سلبا على مسار الانتقال إلى الديمقراطية.
عمل المجلس المذكور على تكريس سيطرة الحاكمين الجدد على الدولة ومؤسساتها الجديدة ووصل حد اعتماد منطق "المحاصصة الحزبية" وغلبة "الأوزان الحزبية" على المصلحة العامة في جميع القوانين التي أصدرها.
تم بناء على ذلك الأساس تغيير القوانين المتعلقة بالهيئات المستقلة المحدثة في ظل المرحلة الانتقالية الأولى ومن أهمها هيئة الانتخابات، كما وضع قوانين جديدة للهيئات المحدثة بناء على ذلك المنطق الخطير وبالتالي إرساء ممارسات غريبة في استغلال قوانين الجمهورية لتكريس الغلبة وإدامة السيطرة وتسهيل الاختراق.
أفسد المجلس الوطني التأسيسي المرحلة الانتقالية الثانية وارتكب "خطيئة كبرى"، إذ تسبب في إضعاف جميع الهيئات المستقلة وأخضعها لسيطرة الأغلبية الحاكمة مما أثر على أدائها ومصداقيتها وثقة المواطنين فيها وانحرف بالتالي بمسار الانتقال إلى الديمقراطية.
ولم يستطع مجلس نواب الشعب المنبثق عن انتخابات 26 أكتوبر 2014 تغيير المعادلة، إذ نجحت نفس الأغلبية المنبثقة عن انتخابات 23 أكتوبر 2011 في المحافظة على مواقعها وعلى سيطرتها بعد بناء تحالفات جديدة مع الحزب الفائز فيها.
ضمن لها ذلك عدم المساس بمكتسباتها وإدامة سيطرتها وجعل من إمكانية تعديل أو إصلاح القوانين المتعلقة بالهيئات المستقلة خاصة والتي أثبتت الممارسة حدودها ونقائصها وإفسادها لها أمرا مستحيلا.
يحمل هذا التشخيص هيئة الانتخابات بتشكيلتها الجديدة مسؤوليات كبرى خاصة وأن البلاد مقبلة على مواعيد انتخابية مهمة نهاية سنة 2019، إذ أن مسؤولياتها لا تقف عند حدود تنظيم الانتخابات تقنيا بل أنها تتعدى ذلك الإطار وتشمل التزامات أخرى تفرضها عليها صفتها "كسلطة انتخابية" من المنتظر منها أن تلعب دورا محوريا في الفترات القادمة وعليها الوفاء بها.
لا يمكننا توقع إصلاح القوانين خلال الفترة المتبقية على إنجاز الانتخابات ولكنه يمكننا التوق إلى إصلاح الممارسات وإلى تصور وجود دور جديد لهيئة الانتخابات يحد من تأثير نقائص الإطار القانوني وإصلاح ما تم تخريبه منذ سنوات طويلة.
أحدثت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في نسختها الثانية لتعويض الهيئة الأولى "التاريخية" بمقتضى القانون الأساسي عدد 23 لسنة 2012 المؤرخ في 20 ديسمبر 2012 وقد صدر تطبيقا لمقتضيات القانون التأسيسي عدد 6 لسنة 2011 المؤرخ في 16 ديسمبر 2011 المتعلّق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية.
وقد تم بمقتضى الفصلين 125 و126 من دستور الجمهورية التونسية المصادق عليه بتاريخ 26 جانفي 2014 إضفاء الصبغة الدستورية عليها باعتبارها هيئة دائمة تتمتّع بالسلطة الترتيبية في مجال اختصاصها.
تم تركيز الهيئة الحالية فعليا يوم 08 جانفي 2014 وقد أتت بعد تلك التجربة الانتخابية الأولى الناجحة مباشرة بعد ثورة 17 ديسمبر - 14 جانفي 2011، حيث تم التخلي عن إشراف وزارة الداخلية على الانتخابات وإحداث الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بمقتضى المرسوم عدد 27 لسنة 2011 المؤرخ في 18 أفريل 2011 باقتراح من الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي.
ورثت الهيئة الحالية أمراض النظام السياسي الذي أقره الدستور وأراد باعثوها أن تقطع مع الهيئة الأولى وأن لا تعتبر وريثتها ولا امتدادا لها. وقد أثر ذلك على نفسية من صعدوا لعضويتها إذ فهموا أو أفهموا حدود دورهم، فتلاشت القناعة لديهم بوجود دور سياسي تاريخي على الإدارة الانتخابية أن تلعبه في وضع انتقال ديمقراطي.
وهو دور يسمح لها بالتموقع فوق الحلبة كحكم محايد ومستقل لا يقبل باختراقه من قبل الأحزاب السياسية ولا باستضعافه أو الحد من دوره المحوري في ضمان التداول السلمي والدوري على السلطة.
فهمت الهيئة "الحياد" بمعنى الاستكانة والخوف من الأحزاب السياسية وخاصة المهيمنة منها وسعت إلى تفادي إزعاجها، مما منعها من ممارسة كامل المهام المنوطة بعهدتها وجعلها رهينة لها.
لا يمكن تعداد مواطن الخلل التي انجرت عن تلك الوضعية وهي كثيرة ويمكننا الإشارة إلى تخلي الهيئة عن دورها في مراقبة الحملة الانتخابية ووسائل الإعلام أوالمال السياسي وتخليها عن ضبط الوضع السياسي والحد من التجاوزات والخروقات ورفض اتخاذ القرارات الصعبة ومن أهمها قرار إسقاط القائمات التي تخالف القوانين والأمثلة على ذلك لا تحصى ولا تعدّ..
ويمكننا اليوم اقتراح فرضية أن ذلك الوضع ليس ناتجا عن إكراهات الإطار القانوني المنظم لعمل الهيئة فحسب ولكنه ناتج أساسا عن خيارات شخصية لمن تولوا قيادتها الفعلية وعن تخليهم الطوعي عن الإرث التاريخي للهيئة الأولى التي مارست دورها السياسي بدون تردد ورفضت الخضوع لإملاءات السياسيين واتخذت قرارات مصيرية بدون العودة لأي كان وفرضتها على الجميع بدون تردد كذلك.
لذلك، فإنه يمكننا أن نعتبر اليوم أننا أمام هيئة في "مفترق طرق" بعد تغير التوازنات داخلها وبروز قيادة جديدة نتوقع أنها تفهم جيدا متطلبات المرحلة، إذ تملك من الخبرة والتجربة ما يطرح إمكانية توفر نافذة لإصلاح الوضع ولعب الهيئة لدورها كاملا.
وعليها طبعا وقبل كل شيء أن تثبت رغبتها وإرادتها في التغيير والإصلاح واسترجاع "هيبة" الهيئة وهو ما لم تبرز بوادره بعد.
ويمكن تصور أن من يثبت امتلاك الرؤيا والبرامج والفهم الصحيح لمتطلبات المرحلة يمكن له النهوض بمسؤوليته التاريخية والقيام بعدد من المراجعات الضرورية التي تمكن من التوصل إلى فهم حقيقة الدور المنوط بعهدة الهيئة والانطلاق في اتخاذ القرارات المناسبة.
على أنه وفي انتظار اتضاح الرؤية واعلان الخطط والبرامج الإصلاحية يمكن للهيئة أن تبدأ أولا بالتثبت من مدى تلاؤم القانون المنظم لها حاليا مع فصول الدستور الجديد والمطالبة بتعديل الفصول المخالفة له إن وجدت.
إذ تمثل مبادرة المسؤولين الجدد عليها باقتراح الإصلاحات المناسبة على القانون المنظم لها لتلافي تناقض القانون الحالي مع الدستور فرصة ثمينة لكي يثبتوا تحررهم من كافة الضغوط السياسية وفرصة كذلك للهيئة لاسترجاع المبادرة وتقديم وجه جديد يقطع مع الماضي القريب ويعيد لها مصداقيتها ويدعم ثقة الناخبين فيها لتمكينها من مواجهة الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2019 في أفضل الظروف.
وبدون الغوص في المتطلبات التقنية التي سنعود لها بالتفصيل في مناسبة أخرى، فإن للهيئة مسؤوليات واضحة تجاه الشعب التونسي ولا يمكنها استرجاع ثقته المهزوزة فيها إلا بتقديم مجلسها برنامج إصلاحات عاجل يتضمن اقتراحات بتعديل المنظومة القانونية المرتبطة بمهامه وبالقيام بالتعديلات الهيكلية اللازمة لكي تسترجع وضعها كحكم محايد ومسؤول للمرحلة الانتقالية.
لا زالت تونس تعيش في ظل مرحلة انتقالية وإن كان انتقلت من وضع "وقتي" إلى وضع "دائم" ومن أهم متطلبات المرحلة الشروع في إصلاح عاجل لما أفسدته الضغوط والتدخلات السياسية في المراحل السابقة.
إن من أهم المبادرات التي يمكن أن تقوم بها الهيئة هي المبادرة إلى معالجة الإشكاليات العويصة التي تطرحها مسألة "التمثيلية السياسية" صلب المجالس المنتخبة في تونس اليوم وهي تمثيلية ضعيفة نتيجة عدم مشاركة أغلبية كبيرة من التونسيين في العملية "السياسية"إما لعدم وجودهم أصلا في قائمات الناخبين وإما لعدم مشاركتهم بالتصويت والترشح رغم تسجيلهم بها.
ولن يسعها ذلك بدون إرجاع الثقة والمصداقية لسجل الناخبين وإجراء تدقيق شامل وعام عليه من قبل جهة محايدة ومستقلة ومختصة لا تتعامل ماليا مع الهيئة ولا تستفيد منها للتثبت من سلامته وضمان أمنه والتأكد من عدم اختراقه من الداخل أو الخارج.
وهي عملية من المحتم أن تشمل جميع قواعد البيانات وجميع التطبيقات والمنظومات الإعلامية التي تستغلها هيئة الانتخابات في أداء مهامها.
وعلى الهيئة إثر ذلك ضبط خطة محكمة لتسجيل أكبر عدد ممكن من الناخبين الجدد، فهنالك قرابة أربعة ملايين ناخب تقريبا غير مسجلين أصلا بسجل الناخبين الذي تتحمل مسؤولية مسكه وتحيينه وهم محرومون من حقهم في المشاركة ومقصيون من ممارسة الديمقراطية ومن الانتخاب وممارسة حقوقهم في اختيار من يمثلونهم ومن الترشح وممارسة حقهم في تسيير شؤون وطنهم.
ومع انخفاض نسب المشاركة مع كل انتخابات شهدتها تونس في السنوات الأخيرة وبالتوازي مع الدور الذي تقوم به الأحزاب السياسية والمجتمع المدني، فإنه على الهيئة القيام بدورها في التوعية والتثقيف الانتخابي وفي حث الناخبين على الانتخاب وممارسة حقهم وواجبهم مما يتيح الترفيع فيها.
كما أنه لا يمكن للهيئة أن لا تجري مراجعات على تنظيمها الإداري وعلى فروعها الجهوية وأن لا تقيم تجربتها مع ازدواجية التنظيم الجهوي وتشتت الصلاحيات بين هيئات فرعية تخضع لمجلس الهيئة وإدارات الجهوية تخضع للمدير التنفيذي.
وبما أن أغلب الانتقادات الموجهة لها تخص اختراق جميع مفاصلها مركزيا وجهويا، فإنه عليها إجراء مسح شامل يمكنها من تبين الاختراقات التي حصلت ووضع خطط عملية لضمان استقلالية وحياد جميع العناصر التي تعمل صلبها، مع إجراء عملية تقييم ضرورية لأداء مختلف المعنيين ومن أبرزهم عناصر الجهاز التنفيذي وأعضاء الهيئات الفرعية وخاصة أعضاء مكاتب الاقتراع.
لن يتسنى للهيئة ذلك بدون الإيمان بدورها وبدون تقديم مشروع جدي يمكن تحويله إلى برامج من شأن تطبيقها أن يضمن استعادة دورها السياسي التي تخلت مجبرة عنه في السنوات الأخيرة.
وتجدر الإشارة إلى أن من أوكد واجبات هيئة الانتخابات تطبيق القانون المنظم لها واحترامه والتخلي عن جميع السوابق السيئة التي خرقت بموجبها القوانين واستهترت بها ورفضت تطبيقها. إذ عليها إعطاء المثل في احترام الدستور وقوانين الجمهورية وهو ما من شأنه أن يرسل رسائل إيجابية جدا للناخب والمواطن التونسي ويسهل عليها عملية استرجاع مصداقيتها المفقودة وتحررها نهائيا من منطق عدم خضوع مؤسسات للدولة للتقييم والمحاسبة.
لا يتعلق الأمر فقط بقوانين وضعت لتحجيم الهيئة وتسهيل اختراقها والسيطرة عليها وترفض الأغلبية البرلمانية تعديلها أو المساس بها بل بالإرادة الذاتية لمن يتولون مسؤولية وطنية تاريخية صلب مجلس الهيئة في هذه الفترة المفصلية في تاريخ تونس.
يمكنهم الإصلاح والتطوير بقطع النظر عن مواقف السياسيين والمقاومة المنتظرة لأية مبادرات من هذا النوع من بعض لنواب الشعب الراعون الرسميون لثمار "الخطيئة الأولى" والرافضون لكل بادرة إصلاح، فالمهمة شاقة ولكنها ليست مستحيلة.